لسنوات طويلة، جرى النظر إلى مشاركة النساء في السياسة من زاوية رمزية ضيقة، باعتبارها مؤشرا على الانفتاح أكثر مما هي تعبير عن اقتسام فعلي للمسؤولية. غير أن هذا التصور لم يعد كافيا لتفسير المشهد الراهن. فالحضور النسائي اليوم لم يعد يقتصر على شغل المقاعد أو الظهور في المحطات الانتخابية، بل أصبح يرتبط بالقدرة على الترافع، وصياغة المواقف، ومواكبة ملفات تمس حياة المغاربة في تفاصيلها اليومية.
لقد تغيرت صورة المرأة السياسية في الوعي العام تدريجيا. لم تعد استثناء يلفت الانتباه، ولا حالة تُقدَّم بوصفها مكسبا معزولا، بل صارت جزءا من مشهد يتجه، ولو بخطى غير متساوية، نحو قدر أكبر من التعدد والتوازن. وهذا التحول لا يخص النساء وحدهن، بل يخص طبيعة السياسة نفسها حين تتسع لمنطق المشاركة بدل الاكتفاء بالتمثيل الشكلي.
حضور يتوزع على مؤسسات متعددة
يتجلى الحضور النسائي في السياسة المغربية عبر مستويات مختلفة من الفعل العمومي. فهو حاضر داخل البرلمان، حيث تسهم النساء في النقاش التشريعي والرقابي، كما يظهر داخل الجماعات الترابية التي تشكل فضاء مباشرا للاحتكاك بقضايا المواطنين والمواطنات. وهو حاضر أيضا في الأحزاب السياسية، سواء في الهياكل التنظيمية أو في المعارك الانتخابية وصياغة الخطاب الحزبي، فضلا عن امتداده داخل الفضاء المدني والحقوقي الذي لعب دورا مهما في الدفع نحو توسيع مشاركة النساء.
هذا التعدد في مواقع الحضور يمنح المشاركة النسائية معنى أوسع من مجرد الوجود العددي. فالسياسة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، بل بما إذا كان هذا الحضور يساهم في توسيع النقاش، وإعادة ترتيب الأولويات، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر اتصالا بالواقع الاجتماعي. ومن هذه الزاوية، يبدو المشهد النسائي في السياسة المغربية أكثر رسوخا مما كان عليه في السابق، وأكثر قدرة على التحرك بين المحلي والوطني، وبين الحزبي والمدني.
من التمثيل الرمزي إلى التأثير الفعلي
التحدي الحقيقي لم يكن يوما هو مجرد ولوج النساء إلى الفضاء السياسي، بل الانتقال من الحضور الرمزي إلى التأثير الفعلي. وهذا الانتقال بدأ يفرض نفسه من خلال نساء نجحن في بناء مسارات سياسية قائمة على الكفاءة والمتابعة والاشتغال الميداني، لا على منطق الحضور العابر. فكلما ارتبطت المشاركة النسائية بالفعل السياسي اليومي، وبالقدرة على تدبير الملفات المعقدة، تراجعت النظرة التي تحصرها في بعدها الشكلي.
إن التأثير الفعلي لا يظهر فقط في المواقع التي تشغلها النساء، بل في قدرتهن على إدخال قضايا جديدة إلى دائرة الأولوية، وعلى فرض لغة سياسية أقل انغلاقا على الصراع المجرد وأكثر انفتاحا على الأسئلة الملموسة. وحين تصبح المرأة السياسية فاعلة في النقاش، ومؤثرة في القرار، وموجودة في الميدان، فإنها لا تثبت فقط أهليتها الشخصية، بل تدفع المشهد كله إلى مراجعة كثير من الأحكام الجاهزة.
تحديات لا تزال قائمة
رغم ما تحقق، فإن الحضور النسائي في المشهد السياسي المغربي لا يتحرك في فضاء خال من العوائق. فما تزال بعض العقليات التقليدية تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالا ذكوريا في الأصل، وما تزال الأحكام المسبقة تلاحق المرأة السياسية في مسارها العام، سواء في تقييم كفاءتها أو في طريقة استقبال مواقفها. وغالبا ما تُطالب المرأة، أكثر من الرجل، بإثبات مشروعيتها قبل أن يُنظر إلى مضمون أدائها.
يضاف إلى ذلك ما تطرحه بعض الإكراهات الحزبية والتنظيمية من صعوبات تتعلق بالتموقع، وصناعة القرار، وإتاحة الفرص المتكافئة للصعود داخل الهياكل. كما أن التوفيق بين الأعباء الاجتماعية ومتطلبات العمل السياسي يظل تحديا حقيقيا في كثير من الحالات. لذلك فإن الحديث عن المشاركة النسائية لا ينبغي أن يكتفي بفتح الأبواب نظريا، بل يجب أن يمتد إلى التفكير في شروط الاستمرار والتأثير والإنصاف داخل الممارسة نفسها.
قضية النساء أم قضية الديمقراطية؟
في العمق، لا يختزل تقدم النساء في السياسة المغربية في كونه مطلبا فئويا يخص النساء وحدهن، بل يرتبط بسؤال أكبر يتعلق بطبيعة الديمقراطية وجودة التمثيل. فالمشهد السياسي الذي لا يعكس تنوع المجتمع يظل مشهدا ناقصا، حتى وإن بدا مكتمل الشكل. وكلما كانت النساء حاضرات بفاعلية في مواقع القرار والنقاش، كان النظام التمثيلي أقرب إلى الواقع، وأكثر قدرة على التعبير عن انتظارات مختلف الفئات.
إن توسيع الحضور النسائي يعني، في أحد معانيه الأساسية، توسيع قاعدة الشرعية الديمقراطية نفسها. لأنه يضع السياسة في مواجهة سؤال بسيط وعميق في الآن ذاته: كيف يمكن لمجال يدبر الشأن العام أن يستثني، رمزيا أو عمليا، نصف المجتمع؟ من هنا يصبح تعزيز مشاركة النساء جزءا من معركة أوسع من أجل تمثيل عادل، ومؤسسات أكثر إنصاتا، وحياة عامة أكثر توازنا.
بين ما تحقق وما ينبغي أن يتحقق
لا يمكن إنكار أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية تحولا لافتا في صورة المرأة داخل المجال السياسي. غير أن هذا التحول يظل في حاجة إلى التثبيت والتوسيع، حتى لا يبقى رهينا بمبادرات متفرقة أو بسياقات ظرفية. المطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن حق النساء في الحضور، بل ترسيخ هذا الحضور باعتباره أمرا عاديا وطبيعيا داخل الحياة السياسية، لا حدثا استثنائيا يُستقبل بالمفاجأة.
كما أن الأهم من منطق الاحتفاء هو منطق البناء. أي بناء ثقافة سياسية تقيس الفاعلين بقدرتهم على الإنجاز والترافع والإقناع، لا بنوعهم الاجتماعي. وعندما تتكرس هذه القاعدة، يصبح التقدم النسائي مكسبا للمجال العام كله، لا عنوانا منفصلا داخل الخطاب السياسي.
لم تعد المرأة المغربية تقف على هامش المشهد السياسي، بل باتت جزءا من حركته وأسئلته وتوازناته. حضورها اليوم في البرلمان، وفي الجماعات الترابية، وفي الأحزاب، وفي الفضاء المدني، يعكس انتقالا واضحا من منطق التمثيل الرمزي إلى منطق المشاركة الفعلية، حتى وإن كانت الطريق ما تزال مفتوحة أمام مزيد من الإنصاف والتكافؤ.
وفي النهاية، فإن تعزيز الحضور النسائي في السياسة لا يضيف فقط صوتا جديدا إلى المجال العام، بل يرفع من جودة الديمقراطية نفسها، ويمنح الحياة العامة نفسا أكثر عدلا ونضجا. فكلما اتسعت السياسة لجميع مكونات المجتمع، اقتربت أكثر من معناها الحقيقي: خدمة الشأن العام بتمثيل منصف، ورؤية أوسع، ومسؤولية مشتركة.






