في زقاق ضيّق بحيّ شعبي في الدار البيضاء، تعيش « أمينة » (اسم مستعار) مع رضيعها في غرفة مستأجرة لا تتجاوز مساحتها تسعة أمتار. تخرج للعمل في الصباح، وتترك طفلها عند جارة مسنّة، ثم تعود لتطعمه وتنام معه. لا أحد في عائلتها – التي تخلّت عنها – يعرف أنها أصبحت أمًّا، ولا أحد في الشارع يعرف أن « أمينة » وضعت طفلها دون زواج. هكذا، يصمت المغرب عن واحدة من أكثر ظواهره الاجتماعية حساسية: ظاهرة الأمهات العازبات.
« حياة في الظل، وحقوق معلّقة بين مطرقة الوصمة الاجتماعية وسندان قانون يجرّم العلاقة خارج الزواج. »
حجم الظاهرة: أرقام في غياب الإحصاء الرسمي
لا تتوفر أرقام رسمية دقيقة لدى المندوبية السامية للتخطيط أو صندوق الإحصاءات حول هذه الظاهرة، لكن دراسة أجرتها جمعية التضامن النسائي (INSAF) سنة 2010 كشفت أن ما يقارب 17,680 أمًّا عزباء وضعن مولودهن الأول سنة 2009، فيما تتحدث تقديرات حقوقية عن وجود حوالي 220 ألف أم عزباء على المستوى الوطني، تركّز 75% منهن في الوسط الحضري.
وكشفت دراسة التضامن النسائي أن جهة مراكش-تانسيفت تتصدّر الترتيب بـ 3,066 أمًّا، تليها جهة سوس-ماسة-درعةبـ 3,062 أمًّا، ثم الدار البيضاء وحدها التي تحتضن ما يناهز 44 ألف طفل مولود خارج مؤسسة الزواج، في رقم صادم يعكس اتساع الظاهرة في أكبر مدن المغرب. وتؤكد بعض المراجع أن أكثر من 500 ألف طفل وُلدوا من أمهات عازبات على امتداد السنوات الأخيرة.
الأسباب: من الوعد الكاذب إلى الهشاشة الاقتصادية
لا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد. فالمعطيات المتوفرة ترسم لوحة متعددة الأطراف:
الهشاشة الاقتصادية والفقر: يدفع فقر الأسر بعض الفتيات إلى العمل كخادمات في المنازل، حيث يقعن أحيانًا ضحايا استغلال جنسي، فيما يأملن في تحسين ظروفهن.
الهجرة القروية: انتقال النساء القرويات إلى المدن بحثًا عن عمل يخلق بيئة أكثر هشاشة وابتعادًا عن رقابة العائلة الممتدة، ويُسهّل الانزلاق نحو علاقات غير محمية قانونيًّا واجتماعيًّا.
الوعود الكاذبة بالزواج: وهي السبب الأبرز الذي تكرّر الإشارة إليه في تقارير المجتمع المدني، إذ يَعِد الرجل المرأة بالزواج قبل العلاقة، ثم يتخلّى عنها بعد الحمل، تاركًا إياها وحيدة أمام مجتمع يرفض « العيب ».
الاغتصاب والاستغلال الجنسي: تشير الأرقام الميدانية إلى أن الاغتصاب يمثل نحو 11% من حالات الحمل خارج الزواج، بينما تمثل الدعارة والاستغلال الجنسي حوالي 12% من الحالات بحسب مصادر جمعوية.
ويجمع الفاعلون الحقوقيون على أن الفصل 490 من القانون الجنائي، الذي يجرّم العلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين خارج إطار الزواج، لا يعالج المشكلة بل يفاقمها: يدفع بالعلاقات إلى السرّية، ويمنع النساء من التبليغ عن الاغتصاب خشية الملاحقة، ويحرم الأطفال والأمهات من أي حماية قانونية.
جهود الدولة على المستوى التشريعي
في مواجهة هذه الظاهرة، تحرّكت الدولة المغربية على جبهات متعدّدة. تشريعيًّا، وفي دجنبر 2024، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس عن مخرجات هيئة تعديل مدونة الأسرة التي تضمّنت مقترحات لتقييد التعدد، ورفع سنّ الزواج، وضمان حقوق الأطفال، بما ينعكس إيجابًا على وضعية الأمهات العازبات وأطفالهن، خاصة في ما يتعلّق بإشكالية البنوة والنسب.
جهود الدولة على المستوى الاجتماعي والمؤسساتي
أُلزمت الدولة منذ سنوات بتسجيل جميع المواليد في سجلات الحالة المدنية، مع تسهيل إجراءات التسجيل للأمهات العازبات، وهو ما قلّص عدد الأطفال « بلا هوية » بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
وتستفيد الأمهات العازبات، مثلهن مثل باقي المواطنين، من نظام « راميد » (نظام المساعدة الطبية) ومن برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) التي تستهدف الفئات الهشّة وتوفّر لهم موارد للإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
دور المجتمع المدني: جمعية التضامن النسوي نموذجًا
على المستوى المدني، تظلّ جمعية التضامن النسوي، التي أسّستها الناشطة عائشة الشنا سنة 1985 بالدار البيضاء، الجهة الأكثر حضورًا في هذا الملف الإنساني المعقّد. تقدّم الجمعية سنويًا خدمات الإيواء، والتكوين المهني (الحلويات، الطبخ، الحرف اليدوية)، والمساعدة القانونية والنفسية لآلاف النساء، في محاولة لتحويل « العيب الاجتماعي » إلى فرصة جديدة للإدماج والكرامة.
خلاصة
رغم الجهود المبذولة، تبقى ظاهرة الأمهات العازبات في المغرب مرآة لاختلالات بنيوية أعمق: فجوة بين القانون والمجتمع، هشاشة اقتصادية مستمرة، وصمتٌ ثقافي يُبقي آلاف النساء في الظل. والأكيد أن أي حلّ جذري يمرّ بإصلاح شامل لمدونة الأسرة، ومراجعة الفصل 490، وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية للفتيات في الوسط القروي والحضري على حدّ سواء، مع تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية لتشمل هذه الفئة المهمّشة بعيدًا عن الوصم والتنديد.






