في الثاني عشر من آب (غشت)، أوقفت مصالح الأمن الوطني المؤثرة المغربية سكينة جناح، المعروفة على المنصات باسم « سكينة كلامور » (Soukaina Glamour)، في مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، وهي تستعدّ لمغادرة التراب الوطني على متن رحلة دولية. وبعد 72 ساعةً تحت الحراسة النظرية، أحيلت على النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بمراكش، التي تابعتْها يوم الاثنين 17 آب 2026 في حالة اعتقال بتهمة « الإخلال العلني بالحياء »، استنادًا إلى الفصل 483 من القانون الجنائي. وقضت المحكمة الابتدائية في اليوم نفسه بإدانتها بعشرة أشهر حبسًا نافذًا، وغرامة مالية قدرها 500 درهم، مع منعها من استخدام منصات التواصل الاجتماعي ثلاث سنوات.
غير أنّ هذا الملف، في واجهته القضائية، يحيل في العمق إلى ظاهرة أعرض: تحوّل « التفاهة » الرقمية في المغرب إلى صناعة يقودها ما بات يُعرف بـ »اقتصاد الانتباه »، حيث تصير الخوارزمية شريكًا غير مرئي في إنتاج المعيار الأخلاقي.
أوّلًا: ما الذي حصل بالضبط؟
تعود جذور القضية إلى مقطع فيديو صُوِّر على المباشر وسرعان ما انتشر على نطاق واسع في الفضاء الرقمي المغربي، وُصف بـ »المثير للجدل » ومخِلٍّ بالحياء، قبل أن يتحوّل إلى ما يُعرف اصطلاحًا بـ »الترند ». وتُفيد المصادر بأنّه، فور تفاعل الرأي العام، سارعت المنسوب إليها إلى إصدار مقطع اعتذار، قالت فيه إنّ اللقطات « معدّلة بالذكاء الاصطناعي »، وإنّها لن تسامح مروّجي المفبّركين.
وفي اليوم التالي، تنبّهت مصالح اليقظة المعلوماتية التابعة للأمن الوطني — بتنسيق مع أمن مراكش — إلى أنّ صانعة المحتوى تستعدّ لمغادرة المغرب. وأُوقفت في مطار محمد الخامس قبل صعودها إلى الطائرة، ثم وُضعت تحت الحراسة النظرية ثلاثة أيام، قبل أن تأمر النيابة العامة بإيداعها سجن الأوداية في مراكش.
جديرٌ بالملاحظة أن الحكم القضائي — على الرغم من أنّ الحدّ الأقصى الذي يتيحه الفصل 483 هو سنتان — اكتفى بعشرة أشهر، وأتبعه بتدبير وقائي غير معتاد في قضايا مماثلة: المنع من ولوج شبكات التواصل الاجتماعي ثلاث سنوات، وهو ما قد يُقرأ كرسالة رمزية موجَّهة لقطاع بأكمله لا لصانعة محتوى بعينها.
المتابعة لم تكن لصانعة محتوى بعينها، بل لقطاع بأكمله يبيع الانتباه بأي ثمن.
ثانيًا: الفصل 483 — نصٌّ فضفاض تحت مجهر النقاش
ينصّ الفصل 483 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنّ « من ارتكب إخلالًا علنيًّا بالحياء، وذلك بالعري المتعمّد أو بالبذاءة في الإشارات أو الأفعال، يُعاقَب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم »، وتُصنَّف الجريمة ضمن الجنح الضبطية، ما يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة.
هذا الملف أعاد إحياء نقاش حقوقي قديم حول غموض الفصل المذكور، ولا سيّما أنّ عبارة « الإخلال العلني بالحياء » تفتقر إلى تعريف دقيق داخل المتن القانوني، ما يُفسح المجال لتأويلات واسعة — خصوصًا حين يُنقل الفعل من الفضاء العام المادي إلى الفضاء الافتراضي الذي تتداخل فيه الفضاءات الخاصة والعامة. وكان المغرب قد برّأ سنة 2015 فتاتين واجهتا التهمة نفسها، في حكم أبرز هشاشة الخطاب القانوني في هذا الباب. والسؤال الذي يُطرح اليوم بنفس الحِدّة: هل الفضاء الرقمي « علني » بالمعنى الذي قصده المشرِّع قبل عقود؟
ثالثًا: « اقتصاد المؤثرين » — البُعد الهيكلي للظاهرة
لا تنفصل واقعة « كلامور » عن سياق بنيوي أوسع. فقد بات المغرب يعرف ما يصفه الإعلام المتخصّص بـ »اقتصاد المؤثرين »، الذي قُدّرت قيمته بأكثر من 4 مليارات درهم، كأحد أسرع القطاعات نموًّا، وإن ظلّ من الأكثر إثارةً للجدل على مستوى الضبط الجبائي والرقابي.
في هذا الاقتصاد الجديد، صار « المحتوى » سلعة تُقاس بمؤشّرات التفاعل لا بالقيمة المعرفية أو الجمالية. ومع نضج القطاع، تتكثّف أيضًا المتابعات القضائية. فقد طالت حملة أمنية متتالية عددًا من مشاهير « تيك توك » بتهم تتأرجح بين خدش الحياء العام والترويج للمخدرات، في خطوة وُصفت بأنها « الأوسع منذ صعود موجة المؤثرين ».
« مؤشّر التفاهة » — لماذا تتضاعف القضايا؟
يرى كثير من المتابعين أنّ ما يحصل ليس محض حملة أمنية، بل تعبيرٌ عن ارتفاع فعلي لما يمكن تسميته « مؤشّر التفاهة » في الفضاء الرقمي المغربي، أي نسبة المحتوى السطحي الذي يفتقر إلى قيمة معرفية أو جمالية ويعتمد الإثارة لجلب الانتباه وتعظيم معدّلات التفاعل.
ويفسّر هؤلاء الأمر بأنّ خوارزميات المنصات لا تعترف بالجودة: تتغذّى على « الترند »، وتدفع نحو التطرّف في المحتوى، حتى باتت — لا المؤثّر وحده — شريكًا في إنتاج المعيار. وتُظهر معطيات متداولة أنّ نحو 61.5% من مستخدمي الإنترنت في المغرب يتفاعلون مع منصة تواصل اجتماعي واحدة على الأقل، ما يمنح هذه المنصات هامشًا واسعًا للتأثير في الذوق العام. وكلّما زاد هذا الهامش، زاد الضغط الاجتماعي لمطالبة الدولة بالتدخّل، حتى لو بأدوات قانونية قديمة.
الرأي المضاد — حرّية التعبير تحت الضغط
في مقابل القراءة الأخلاقية، يذكّر الحقوقيون والفاعلون المدنيون بأنّ المتابعة الجزائية وفق الفصل 483 ليست دائمًا متناغمة مع معايير حرّية التعبير التي يضمنها الدستور المغربي، وأنّ تكييف محتوى رقمي مع نصٍّ قانوني صيغ قبل ظهور « إنستغرام » و »تيك توك » يطرح إشكاليات جوهرية ثلاثة:
- أين ينتهي « العلنيّ »؟ هل البث الموجَّه لعدد من المتابعين « علني » بالمعنى الذي قصده المشرِّع سنة 1963؟
- هل الفضاء الافتراضي فضاء عام بالمعنى القانوني؟ سؤالٌ أبانت عنه أحكام متناقضة، أبرزها تبرئة الفاتين المذكورتين أعلاه.
- لماذا تختلف المتابعات بحسب حجم المؤثّر؟ يطرح هذا السؤالُ تساؤلات حول تكافؤ الفرص أمام القانون.
كما تسجّل ملاحظات مؤسَّسة أنّ المنع من المنصات لثلاث سنوات قد يتحوّل في بعض الحالات إلى أداة لتصفية حسابات رمزية، وأنّ استعمال القانون الجنائي في ما يُشبه « حروب الترند » يُخاطر بزجّ القضاء في معارك لا يملك أدوات قانونية واضحة لإدارتها.
حين تُستخدم نصوص 1963 لمحاكمة ظاهرة 2025، فالقانون نفسه صار جزءًا من الترند.
بين القانون والذوق العام
ما بين مطار محمد الخامس وسجن الأوداية في مراكش، تنتقل واقعة « كلامور » من قصّة فردية إلى مرآة لبنية رقمية مغربية تتشكّل بسرعة أكبر من المنظومة القانونية والأخلاقية التي تحكمها. وإذا كان الفصل 483 يمنح القاضي هامشًا تقديريًّا، فإنّ ارتفاع « مؤشّر التفاهة » يفرض سؤالًا أعمق لا يحيل هذا الملف وحده:
- هل تكفي المتابعات الجزائية لإعادة التوازن إلى فضاء باتت الخوارزمية فيه مشرِّعًا غير رسميّ؟
- أم أنّ المطلوب تشريعات مستحدَثة تضبط « اقتصاد الانتباه » بدلًا من معاقبة فرادى صانعي المحتوى؟
- وأيّاً كان الجواب، فهل ثمّة مساحة لحرية التعبير في فضاءٍ يخضع لقانون العقوبات أكثر مما يخضع لقانون السوق؟
ما هو مؤكّد أنّ ملف سكينة « كلامور » سيظلّ علامةً مفصلية في النقاش المغربي حول الحدود بين الذوق العام وحرية التعبير ودور القانون في عصر المنصات — نقاشٌ لم يُغلق بعد، ولن يُغلق بملفٍّ واحد.






