بين اتساع الحضور على الشاشة وضيق المساحات العادلة، يظل السؤال مطروحًا حول صورة المرأة في السينما المغربية وحدود إنصافها فنيًا وإنسانيًا.
شهدت السينما المغربية خلال العقود الأخيرة اتساعًا ملحوظًا في حضور المرأة، سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو الكتابة أو الإنتاج. ولم تعد الممثلة المغربية مجرد عنصر ثانوي يعبر المشهد على هامشه، بل صارت في كثير من الأعمال جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي، بل وحاملًا رئيسيًا للتوتر الفني والإنساني. غير أن هذا التطور الكمي لا يعني بالضرورة أن الحضور النوعي قد تحقق بالقدر نفسه. فبين الظهور المتكرر على الشاشة وبين امتلاك أدوار مكتوبة بوعي وعمق، تتسع فجوة لا تزال تثير أسئلة مشروعة حول الطريقة التي تُرى بها المرأة في بعض الأعمال السينمائية، وحول ما إذا كانت السينما تمنحها حقها كموهبة أم تستثمر حضورها الجسدي أكثر مما تنصت إلى قدرتها التعبيرية.
حضور متزايد.. لكن بأي صورة؟
لا يمكن إنكار أن المرأة المغربية أصبحت أكثر حضورًا في الصناعة السينمائية من ذي قبل، وهذا في حد ذاته تطور مهم يعكس تغيرات اجتماعية وثقافية ومهنية. إلا أن هذا الحضور، في عدد من النماذج، ظل محكومًا بمنطق يكتفي بإبراز المرأة بوصفها موضوعًا للنظر، لا ذاتًا درامية كاملة. فبدل أن تُبنى الشخصية النسائية على خلفية نفسية واجتماعية واضحة، أو على صراع داخلي يكشف تعقيدها الإنساني، يجري أحيانًا اختزالها في وظائف بصرية سريعة: الجسد، الإغراء، الزينة، أو الاستعراض. وحين يحدث ذلك، تتحول الشخصية من كيان حي داخل الحكاية إلى أداة تكميلية تخدم الإيقاع التجاري أو الإثارة السهلة.
تكمن المشكلة هنا في أن التكرار يرسخ صورة نمطية تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها في العمق تؤثر في الذائقة العامة وفي فهم المتلقي لمكانة المرأة داخل السرد السينمائي. فحين تتكرر المرأة في أدوار محدودة المعنى، يصبح من الصعب إقناع الجمهور بأنها قادرة على حمل شخصيات مركبة، لا لأنها عاجزة عن ذلك، بل لأن النصوص نفسها لا تمنحها المساحة الكافية. وبهذا المعنى، لا تكون الأزمة أزمة ممثلة، بل أزمة كتابة ورؤية وإنتاج.
بين الجرأة الفنية والاستسهال البصري
من الضروري هنا التمييز بين الجرأة الفنية الحقيقية وبين الاستسهال البصري الذي يتخفى أحيانًا خلف شعارات الحداثة وكسر الطابوهات. فالجرأة في السينما ليست في كشف الجسد ولا في توظيف الإيحاءات لشد الانتباه، بل في القدرة على مساءلة الواقع، وتعقيد الشخصيات، والدخول إلى المناطق الإنسانية الشائكة بوعي جمالي وأخلاقي. أما حين يُستدعى الجسد النسائي بوصفه وسيلة تسويقية أو عنصرًا جاهزًا للإثارة، فإن الأمر لا يعود متعلقًا بحرية التعبير بقدر ما يصبح شكلًا من أشكال الفقر الدرامي.
السينما التي تراهن على الصورة السهلة قد تحقق رواجًا مؤقتًا أو تثير جدلًا سريعًا، لكنها لا تؤسس لذاكرة فنية راسخة. وحدها الأعمال التي تمنح المرأة موقعًا إنسانيًا مركبًا هي التي تبقى. في مثل هذه الأعمال، نرى شخصية تواجه العائلة والمجتمع والعمل والرغبة والخوف والخذلان، وتتحرك داخل تناقضات حقيقية تشبه البشر، لا داخل قوالب جاهزة. هنا فقط يمكن للممثلة أن تثبت موهبتها فعليًا، لأن الأداء يصبح تعبيرًا عن طبقات نفسية ومعرفية، لا مجرد حضور شكلي أمام الكاميرا.
أثر الصورة على المجتمع وعلى المهنة
لا تقف تبعات هذا الاختزال عند حدود الشاشة، بل تمتد إلى المجتمع وإلى الوسط الفني نفسه. فالصورة السينمائية، مهما قيل عن طابعها التخييلي، تساهم في تشكيل الوعي العام. وعندما تُعرض المرأة باستمرار باعتبارها جسدًا أو أداة إغواء أو تابعًا دراميًا، فإن ذلك يغذي تصورات مجحفة عنها في الحياة اليومية. كما ينعكس هذا التناول على نظرة بعض المنتجين والمخرجين إلى الممثلات، إذ قد تُفتح الأبواب أمام من تلائمهن صورة نمطية معينة، بينما تُضيَّق الفرص أمام أخريات يمتلكن طاقات تمثيلية عالية لكنهن لا يندرجن ضمن معايير الاستعراض السهل.
وهنا يظهر وجه آخر للمسألة، يتعلق بالعدالة المهنية. فالممثلة الجادة لا تحتاج إلى خطاب إنشائي عن احترامها، بل إلى نص جيد، واختبار أداء منصف، ودور يسمح لها بالتعبير، وبيئة إنتاجية تقيس قيمتها بما تقدمه من إحساس وبناء داخلي للشخصية. وما لم تتغير هذه الشروط، ستظل كثير من المواهب النسائية تدور في حلقة مفرغة: حضور ظاهر، لكن بفرص محدودة لإثبات العمق.
حين تُمنح الشخصية النسائية حقها
في المقابل، أثبتت تجارب فنية متعددة أن المرأة في السينما المغربية تستطيع أن تكون مركزًا دراميًا بالغ القوة متى توافرت لها الكتابة المنصفة. هناك شخصيات نسائية نجحت لأنها لم تُقدَّم بوصفها نموذجًا مثاليًا ولا صورة مستهلكة، بل إنسانة تخطئ وتصيب، تقاوم وتنهار، تحمل هشاشتها وقوتها في آن واحد. في مثل هذه النماذج، لا يكون الجسد ملغى ولا مُستعرضًا، بل موضوعًا إنسانيًا ضمن سياق أوسع يخص التجربة والمعنى. عندها يشعر المتفرج أنه أمام شخصية حقيقية، لا أمام صورة معدة للاستهلاك العابر.
كما أن حضور نساء في مواقع الإخراج والإنتاج والكتابة يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا للصورة النسائية على الشاشة. وليس المقصود هنا أن النساء يكتبن النساء على نحو أفضل بالضرورة، بل أن تنوع مواقع القرار داخل الصناعة يسمح بتعدد الزوايا وتخفيف هيمنة النظرة الأحادية. فكلما اتسعت دوائر المشاركة في صناعة الفيلم، زادت فرص الخروج من القوالب الجاهزة، وصارت المرأة ممثلة لذاتها وتجربتها، لا مادة لتوقعات السوق وحده.
نحو سينما تنصف الموهبة
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت المرأة حاضرة في السينما المغربية، بل كيف تحضر، وبأي شروط، ولأي غاية جمالية وفكرية. فالكم لم يعد المشكلة الأساسية، وإنما طبيعة هذا الحضور ومعاييره. وإذا أرادت السينما المغربية أن ترتقي فعلًا، فإن عليها أن تراجع علاقتها بصورة المرأة بعيدًا عن التشييء والاستسهال، وأن تعود إلى جوهر الفن بوصفه بحثًا عن الإنسان في تعقيده، لا عن الجسد في قابليته للتسويق.
إن إنصاف المرأة في السينما لا يتحقق بالشعارات ولا بالمجاملات الموسمية، بل بالكتابة العادلة، وبالاختيارات الإخراجية الواعية، وبالجرأة التي تخدم الحقيقة الفنية لا الإثارة المجانية. وعندما تُمنح الفنانة دورًا يختبر أدواتها الداخلية، وقدرتها على بناء الانفعال والمعنى، يصبح الحكم عليها أكثر عدلًا وصدقًا. عندها فقط يمكن القول إن السينما منحتها فرصتها الحقيقية، لا بوصفها صورة عابرة، بل بوصفها موهبة تستحق أن تُرى وتُقيَّم بما تقدمه من أداء وإبداع، لا بما يكشفه الجسد أو يلمعه الاستعراض.






