أخطر ما وقع في النقاش الاجتماعي حول المرأة ليس بقاء بعض الصور النمطية القديمة فقط، بل ظهور ازدراء جديد يلبس ثوب الحداثة: أن تتحول صفة «ربة بيت» في بعض الألسن إلى ما يشبه المسبة. هنا لا تكون المشكلة في العبارة نفسها، بل في النظرة التي قررت أن العمل الذي يُدار داخل البيت لا قيمة له ما دام لا يُترجم مباشرة إلى راتب أو منصب أو حضور علني.
اجتماعيا وقيميا ولغويا، نحن أمام انزلاق واضح. فـ«ربة بيت» ليست وصفا ناقصا، بل تسمية لدور ثقيل في المسؤولية، يومي في الجهد، عميق في الأثر. غير أن المجتمع الذي اعتاد الاستفادة من هذا العمل بصمت، بدأ أحيانا يعاقب صاحبته رمزيا، كأن رعاية الأسرة وتدبير البيت وبناء الاستقرار أمور ثانوية لا تستحق التقدير. هكذا تُفرَّغ الكلمات من معناها، لا لأن اللغة فقيرة، بل لأن الوعي صار يزن الإنسان بميزان ضيق.
المشكلة تصبح أشد حين تُختزل قيمة المرأة في مردودها المالي فقط. هذا منطق لا ينصف المرأة العاملة ولا ربة البيت على السواء، لأنه يحول الكرامة إلى كشف حساب، ويختزل الإسهام الإنساني في ما يمكن عده بالأرقام. الدفاع عن ربة البيت لا يعني الطعن في النساء العاملات، كما أن الاحتفاء بالعمل خارج البيت لا يبرر احتقار من اختارت أو اضطرت إلى جعله فضاء عطائها الأول. الحرية الحقيقية تبدأ حين يُعترف بكل الاختيارات الشريفة، لا حين يُفرض نموذج واحد باعتباره المعيار الوحيد للنجاح.
إذا أصبحت «ربة بيت» كلمة ثقيلة في السمع، فالمطلوب ليس تغيير الصفة، بل تصحيح الميزان الذي يحكم عليها. فالمرأة لا تصغر لأنها تدير بيتا، بل يصغر المجتمع حين يهين دورا يقوم عليه تماسكه اليومي ثم يتظاهر بأنه بلا قيمة. والعدالة تبدأ من هنا: أن يُحترم العمل أينما كان، وأن تُصان كرامة المرأة في كل موقع تختاره، لا أن تُستبدل وصاية قديمة بوصاية جديدة أكثر أناقة وأقل رحمة.






